عبد الملك الجويني

20

نهاية المطلب في دراية المذهب

8367 - ثم اختلف مسلك أئمتنا في تنزيل الوجهين ، فذهب العراقيون وطوائف من المراوزة إلى أنَّا [ لو ] ( 1 ) منعنا الإبدال ، نمنعه مع التراضي أيضاً ، إلاَّ أن يُفرض عقد صحيح في الاعتياض من منفعة بمنفعة ، وهذا [ كما ] ( 2 ) لو استأجر رجل داراً وقبضها ، ثم استأجر المستأجر بمنفعة تلك الدار دابةً ، فلا يمتنع هذا . وهؤلاء يقولون : لو تلف الثوب المعيّن ، انفسخت الإجارة ، كما تنفسخ بتلف الدابة المعينة ، وصار صائرون إلى أن الثوب لو أبدل بمثله باتفاقٍ منهما وتراضٍ ، جاز بلا خلاف . وإنما الوجهان فيه إذا أراد مالك الثوب أن يُبدِل ، فأبى الخيّاط ، وهذه طريقة القاضي . وبالجملة : التفريع على منع الإبدال ضعيف في الطريقين . وكل ما ذكرناه ، فيه إذا ورد الإصداق والإجارة على عين المعلّم . فأما إذا كانت الإجارة واردة على الذمة ، مثل أن يُصدقها الزوج تعليم سورة البقرة ، ولا يتعرض لتعليم نفسه ، فلا شك أنه لا يتعين عليه التعليم بنفسه ، وله أن يقيم غيره في ذلك مقام نفسه . وهذا بيِّن في أحكام الإجارات . ولا يمتنع - والحالة هذه - أن يكون المتلزم جاهلاً بما التزم التعليم فيه ، لأنه إذا كان لا يتعين [ للتعليم ] ( 3 ) ، فلا معنى لاشتراط علمه . 8368 - ومما يدور في الخلد أنَّا هل نشترط تعيين السورة والجزء الذي يقع التوافق على التعليم فيه ؟ هذا فيه تردُّدٌ : ظاهر كلام المشايخ : أنه لا بد من التعيين فيه ؛ فإنَّ السور مختلفة ، فمنها متشابهات ، ومنها ما يصعب حفظها ، والأمر في ذلك على تفاوت بيِّن . وكنت أود في هذا المنتهى ألاَّ يصح الإصداق للاستئجار على التعليم قبل أن يَخْبُر حفظ المتعلم ، كما لا يصح إجارة الدابة للركوب قبل أن يُعايَن الراكب .

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) زيادة لاستقامة الكلام . ( 3 ) في الأصل : للتعيين .